الشيخ محمد هادي معرفة
293
التفسير الأثرى الجامع
فقال لهم موسى عليه السّلام : قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من المستهزئين بالمؤمنين . فلمّا علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من اللّه عزّ وجلّ سألوه الوصف : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ولو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم وإنّما كان تشديدهم تقديرا من اللّه - عزّ وجلّ - وحكمة . وكان السبب في ذلك على ما : [ 2 / 2412 ] ذكره السدّيّ وغيره : أنّ رجلا في بني إسرائيل كان بارّا بأبيه وبلغ من برّه به أنّ رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا وكان فيها فضل . فقال للبائع : أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى يستيقظ وأعطيك الثمن . قال : فأيقظ أباك وأعطني المال . قال : ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلاف فانتظرني حتّى ينتبه أبي . فقال الرّجل : فأنا أحطّ عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجّلت النقد . قال : وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي . ففعل ولم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك البقرة عنده وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها . [ 2 / 2413 ] وقال ابن عبّاس ووهب وغيرهما : كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل فأتى بالعجل إلى غيضة « 1 » وقال : اللّهمّ إني استودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر . مات الرّجل فسيّبت العجلة « 2 » في الغيضة وصارت عوانا ، وكانت تهرب من كلّ من رامها . فلمّا كبر الابن كان بارّا بوالدته وكان يقسّم اللّيلة ثلاثة أثلاث : يصلّي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمّه ثلثا فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ويأتي به السّوق فيبيعه بما شاء اللّه ، ثمّ يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثا ، وقالت له أمّه يوما : إنّ أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها اللّه - عزّ وجلّ - فانطلق إليها فتدع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق بأن يردّها عليك ، وإنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها ، وكانت تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها . فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى ، وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه ، فقبض على عنقها
--> ( 1 ) الغيضة : مجتمع الشجر في مغيض الماء . ( 2 ) سيّبت : تركت وأهملت .